قرطبة .. مدينة العلم والإيمان !
عشقي لقرطبة ، عشق قديم ، أسبابه كثيرة ، فعظمتها القديمة ، بأن كانت أعظم مُدن اوروبا في العصور الوسطى لا يثير فيَّ العجب عندما اسمع الشاعر ينشد : ( دع عنك حضرة بغداد و بهجتها و لا تعظم بلاد الفرس و الصين .. فما على الأرض قط مثل قرطبة .. ) وتاريخ العلم فيها لا زال يطربني كلما سمعت عنه وعن فضله في العلوم جمعاء بمكتباتها الزاخرة .. التي لا زالت تعود بالخير على العالم أجمع .. ونهرها الوادي الكبير لا زال يُزيّن المدينة بإسمه الذي لم يتغيّر وبهائه الذي لا ينتهي .. وإبنها ، إبن رُشد .. لا زال الفيلسوف الذي أثار العالم واثارني بعبقريته الجامعة بين العقل والدين .. ومسجدها الأعظم ، لا زال يُذكرني بمسجدي الأعظم ، بالمسجد الأقصى المُبارك !! فندق بني أميّة .. في قُرطبة !!
خير عادة يتعودها الانسان أن لا يعتاد شيئا ،، هذا ما يقوله الفلاسفة ، وهم مُحقين فيه ، فبيوتنا التي إعتدنا عليه .. يبدو أنها تستحق منّا أن نُعيد التفكير فيها ، لنتوجها بشيء من جمال حضارتنا وثقافتنا .. ومن عجيب أمر الإسبان أنهم لا يزالون يتفنون في إعادة الطابع الإسلامي لبعض مبانيهم ، فقد نزلت فُندقاً حديث البناء في غرناطة وجدته مُزخرفاً بعشرات الكلمات الإسلامية وأبرزها ” لا غالب إلا الله ” .. وقد مررت بفندق قريب من مسجد قرطبة العظيم ويُدعى Los Omeyas أي فندق بني أمية وله طابع أندلسي ساحر .. وغيره من مشاهد لبيوت أخرى ” مُثقفة ” جعلني اشكك في جمال بيوتنا .. بل في نعتها أحيانا انها عديمة الهويّة والثقافة !! صاحب العُشاق .. إبن حزم الأندلسي !!
مع أنه أكبر علماء الإسلام تصنيفًا وتأليفًا بعد الطبري، إلا أنه لا يعرف بين الشباب إلا بكتابه المميز ( طوق الحمامة ، في الأف والإلاف ) الذي يُعتبر من أدق ما كتبت العرب في دراسة مظاهر الحب وأسبابه ، حيث لم يترك فيه إبن حزم شيئاً حتى ذكره ، فمن أحاديث الحب الذي يكون من طرف واحد … مروراً بأحاديث العُشاق وأشعارهم .. حتى الزُهد والعفة .. وكأنه لم يترك شيئاً لغيره ليحكيه في الحُب .. ولحسن حظي فقد إلتقيت به على حين غفلة على أسوار قُرطبة .. وذلك بعد خروجي من المسجد الأعظم .. يرتدي أحسن الثياب ويحمل ورقة وكأنه يستعجل إلى محاضرة في الفقه أو الادب .. تماماً كما كان يفعل قبل 1000 سنة !!! للإطلاع على نسخة أثرية من كتابه : اضغط هنا اول GPS عربي !!
كثيرون منّا اليوم لا يستطيعون العيش بلا جهاز الـGPS ، الذي يدلنا على الطرق والاماكن .. وكثيرون كثيرون جداً ، لا يعرفون ان هكذا جهاز كان موجود تقريباً قبل أكثر من 1000 عام وكان يُعرف بالأسطرلاب .. ولا زال يُحتفظ به في كثير من المتاحف في العلم ، حتى أن مدينة قُرطبة لا زالت تفتخر وتحتفظ بالأسطرلاب الذي صنعه أحد ابنائها الأندلسيين ، وتحتفظ به في متحف القلعة الحُرة على ضفاف الوادي الكبير !! هُناك على ضفاف الوادي الكبير في قُرطبة .. تحديداً في القلعة الحُرة حيث المُتحف الأندلسي .. لا زال عباس بن فرناس يطير بجانحيه في اجواء قُرطبة .. تماماً كما فعل قبل أكثر من 1000 عام ، حتى أن إصراره وإبداعه ، كـ اول طيّار في التاريخ ، جعله طيرانه أهلاً للخلود والتبجيل .. بعد رحيله بقرون طويلة .. ولعله من الإجحاف بحق هكذا عبقري أن لا نذكر عنه سوى طيرانه فقد كان بارعاً في الهندسة الميكانيكية مما جعله يخترع ساعة مائية عُرفت بالميقات .. وكذلك فقد برع في هندسة المواد حتى كان اول من يبتكر صناع الزُجاج من الرمل والحجارة .. بل إنه كان من الشعراء الأندلسيين المرموقين ،، رحمة الله عليه !! 
إذا سألت إي إسباني في قُرطبة عن الـ (( مُوسيكتَّا La Mezquita )) والتي تعني مسجد .. سيجيبك بكُل سرور .. ويدلّك على الطريق .. وهم يعلمون حينها أنك تقصد مسجد مدينتهم .. مسجد قُرطبة الأعظم .. ولست بحاجة أن تُسميه كما يريد البعض بالكاتيدرال ( الكنيسة ) .. و ما إن تدخله .. حتى تجد نفسك في مسجد فخم .. عظمته تُذكرك بالمسجد الأقصى في القدس .. ولكنه لم يعد مسجد .. إنما مُجمع كنائس .. صُلبان وتماثيل وأكثر من كنيسة .. عشرات المُصلين النصاري يرتلون الإنجيل ويقيمون الصلوات .. وآخرون يكتفون بالفخر بهذا الظفر القشتالي على الإسلام.. وأنت ، يا ويلك ، إن تجرأت وصليّت رُكعة لله فيه !! 
هُناك .. على بُعد آلاف الكيلومترات من فلسطين .. في اوروبا .. في إسبانيا .. بل في الأندلس .. وتحديداً في مدينة قُرطبة البديعة .. ذات الحضارة العريقة .. بل أم الحضارات .. وهي مدينة العصور الوسطى بلا مُنازع .. قبل باريس وبرلين .. لا زال الفليسوف والطبيب والإبن رشد يجلس على مقعده ، مُستعداً لإلقاء مُحاضرة في الفلسفة .. صامتة لا كلام فيها .. مفادها : مهماً حاول المُحتل أن يُزوِّر التاريخ ويُهمش الآخر .. فلا بُد للحقيقة يوماً ما أن تنتصر !! ولكم اتحيه