كثر اللغط هذه الأيام حول الشيخ المبارك والداعية المحبوب عائض القرني
ولأني تشرفت بالتتلمذ على يديه يوماً من الدهر فأرى أن من أقل حقه علي أن أذب عنه..
الحقيقة أن كثير من أعداء الدين قد طاروا بالحادثة فرحاً وملأوا بها الآفاق وضخموا القضية والأمر أهون من ذلك ..
فإن من المتعارف عليه عند الكتاب والمؤلفين من مئات السنين أن كل منهم يأخذ من سابقيه ومنهم من يشير إلى ما نقل ومنهم من لا يشير..
ومن ذلك ما يسمى بالاقتباس ومنه ما يسمى بالتضمين، ومن الكتاب من ينقل الفكرة ويصيغها بأسلوبه الخاص ومنهم من ينقل الفكرة بنص المؤلف السابق ولا يغير منها حرفاً..
ومع ذلك كله لم نجد أحدا يشنع على أحد بل الكل مأجور بإذن الله فالمتأخر في الحقيقة ما هو إلا ناشر لعلم الأول ودالٌ عليه فهي أجور متزايدة للأول وأجر الدلالة على الخير للثاني..
وهذا منتشر في كل العلوم ومن ذلك مثلاً كتاب لسان العرب لابن منظور الذي لا يكاد يؤلف أي كاتب عربي حتى يرجع إليه وينهل منه، هذا الكتاب وبدون مبالغة يمكن أن نقول أن ما يعدل 50% منه منقول بالحرف الواحد من كتاب تهذيب اللغة للأزهري رحمة الله على الجميع والأزهري توفي 370هـ في حين توفي ابن منظور 710هـ..
وهذا لم يقلل من قيمة الثاني ولم ينتقص من فضل الأول..
وأغلب الكتاب إن لم يكونوا كلهم لا يأتون بجديد فكرة او مقال وإنما هي أفكار قديمة يلتقطها الواحد منهم ثم تنطبع في ذهنه ثم ما يلبث أن يطورها ويخرجها للناس في قالب جديد...
ولكن حينما أصبح همّ الناس في هذه الأيام هو المال وحظوظ النفس وليس نشر العلم خرج علينا ما يسمى بحقوق الطبع محفوظة...
ولو أنهم أرادوا به وجه الله لما منع أحدهم غيره النقل منه ولما شنع أحد على أحد فهذا ابن عباس رضي الله عنهما يقول : (( إني لأمر على الآية من كتاب الله ، فأود أن الناس كلهم يعلمون منها ما أعلم .
وهذا الصحابي التقي النقي أبو ضمضم رضي الله عنه يلقننا درساً في جعل همنا الآخرة فقد كان يقول إذا أصبح : ( اللهم إنه لا مال لي أتصدق به على الناس ، وقد تصدقت عليهم بعرضي ، فمن شتمني أو قذفني فهو في حل ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( من يستطيع منكم أن يكون كأبي ضمضم )
قال ابن القيم رحمه الله معلقاً : وفي هذا الجود من سلامة الصدر وراحة القلب والتخلص من معاداة الخلق ما فيه ) [ تهذيب مدارج السالكين 407]
وهذا الشافعي الإمام علامة الإسلام يقول بكل تجرد : ( وددت أن الناس تعلموا هذا العلم ولم ينسب إلي منه شئ) [صفة الصفوة 2/251 ]
والأمثلة على ذلك كثير لسلفنا الصالح الذين أخلصوا نياتهم فصفت مقاصدهم فتغلب طلب الآخرة على حظوظ النفس من حب الظهور والثناء وحب الدرهم والدينار في قلوبهم...
أخيراً أقول لشيخنا الحبيب هنيئاً لك ملايين الحسنات التي جيرت في رصيدك -بإذن الله- في مجالس الناس وهنيئاً لنا إبداعاتك المتتالية المتفردة..
وكما أن صاحبك الإمبراطور يقول على قدر أهل العزم تأتي العزائم‘ فإني أقول :
على قدركم يا عائض القرن تبتلى == فنورك وهاج وسوقك رائج
نم قرير العين فإن تكلم فيك أفراد فقد بات يدعو لك الملايين من المحبين وتذكر قول صاحبك أيضاً:
انام ملئ جفوني عن شواردها == ويسهر الخلق جراها ويختصمُ
وصلى الله وسلم على نبينا محمد...