الصراع الدائر .. بين القافية والشاعر
ميزة البدع والرد في الشعر العامي الجنوبي ، اثّر تأثيراً كبيراً على شكل القافية في ذلك الشعر ، فوضع القافيه في شعرنا الجنوبي (الشقر) مختلف تماماً عن نظام القافية في جميع فنون والوان الشعر في كل اقاليم جزيرة العرب الاخرى حتى عن القافية فيما يسمى بالنشيد في الجنوب نفسه ، فشعر البدع والرد تخضع قوافيه لنظام الشقر (الجناس) وليس حديثي هنا هو وصف جمال جوخ الشقر الذي لبسته القافيه فنحن في هذا المنتدى الجنوبي نعرف جميعاً هذا الثوب الزاهي. حديثنا هو صراع الشعراء من اجل اقتناص القوافي التي ترفع من رصيدهم في بورصة هذا النوع من الشعر ، وعلى الرغم من ايماننا بأن المضمون اهم من الشكل فسنعطي التركيز هذه المرة على شكل القصيدة الشكل فقط ، شكل المقطع عامة والقافية خاصة ، وللشعراء فنون وشجون في هذا المضمار الواسع الجميل . وفي الحقيقة ان الموضوع يحتاج إلى اكثر دقة وشموليةً واطلاعاً ، ولكن نختصر في هذه العجالة على مايلي :
* اولاً : عندما يبدع الشاعر قصيدته بدون تعقيد وتكون انسيابية القوافي ، وحرة الحركة ، وسهلة التنقل من قافية الى اخرى، اي من دون تقيّد بين القوافي من حيث الشكل ، وعلى هذا النمط اغلب قصائد الشعراء ، ومثال ذلك ماقاله الشاعر / غرم الله الحميم المالكي رحمه الله :
قـال الحميــم ان ما موت المطاليق (غبنا)
الغبن لا جـا ولد مفلـول بعــد ( البهاليل )
يخرب بيوت الشجاعة والكرم (بالخطاله)
نلاحظ [ غبنا ، البهاليل ، الخطاله ] لم يثقل الشاعر قوافيه بأي تعقيدات في الشكل العام بل كان الكلام عفوياً ينساب مثل الماء في بطاح الاودية .
* ثانياً : عندما يبدع الشاعر قصيدته ويحاول ان يربط بين بعض القوافي في الشكل ، فيجعلها مشتقه من بعضها البعض ، ويترك بقية قوافي القصيدة بدون اي رابط شكلي مثل ان يجعل قافيتين او ثلاث مترابطه من حيث الشكل وبقية القوافي لا تتقيد بذلك التكلف الشكلي الذي البسه الشاعر قصيدته بمحض إرادته ، ومثال ذلك قول الشاعر مزهر بن جابر الثرباني رحمه الله :
طلبــة الله تبــدّا يا سلامــي علــى دار (السمـــي)
فان هذي فعــول الناس موجب سمياً من (سميه)
صاحب العقل والشيمه فهو ذا يودي (الموجبات)
ثـم تسليمنــا يالقيف يغشــى صـديقٍ (واجنبـــي)
نلاحظ الترابط الشكلي واللفظي بين [السمي و سميه] بينما بعد ذلك انحل الترابط السابق في [الموجبات و اجنبي] لم يكن الشاعر مزهر عفوياً في جميع قوافيه مثلما كان الحميم في المثال السابق ، فقد تعمد مزهر ان يلبس قوافيه شيئاً من التكلف البسيط في القافيتين الاولتين ولكن بعد ذلك ترك القوافي تنطلق بدون اي تكلف شكلي.
* ثالثاً : عندما يبدع الشاعر قصيدته ويحاول ان يربط بين قوافي القصيدة كاملة ، ويجعلها متسلسلة ومشتقة من بعضها البعض بشكل جميل ، ولكن يظهر عليها التكلف الواضح مثل قول الشاعر/ حامد العمري رحمه الله :
يا سلامــي علــى من يكســب المــدح فــي (مطـــلاع قوم)
غمرهم في نهــار الصــوت ما ســار فـي (المطـلاع واني)
كــل مــا راح جيــلٍ جــاك جيــلٍ فــي (المطـــــلاع مــــر )
يا اهل صرف الجنيه الى شرى الناس في (المطلاع بوس)
نجد القوافي [ المطلاع قوم ، المطلاع واني ...الخ ] التزم الشاعر بكلمة المطلاع في جميع مقاطع القصيدة وبدأ يضيف اليها كلمة اخرى لتظهر بالمظهر الرائع من حيث النطق والشكل والجناس ، وهذا اسلوب فني ابدع فيه كثير من الشعراء والشواهد على ذلك كثيرة .
* رابعاً : عندما يبدع الشاعر قصيدته ويترك القوافي بحريتها لا يقيدها مثلما فعل حامد العمري في المثال السابق ، ولكنه يتكلف تكلفاً كبيراً في بقية كلمات المقطع ما عدا الكلمة التي جعلها قافية لقصيدته فإنها حرة كما ذكرنا ، ومثال ذلك قول الشاعر / الزرقوي الغامدي رحمه الله :
ياسلامــي علــى بن صقــر با نــون صـــاد (وقـاف را)
ياسلامي على بن صقر بن صقر وش بن صقر (باشه)
ياسلامي على بن صقر بن صقــر وش بن صقر (اسد)
ياسلامي على بن صقر بن صقــر وش بن صقر (امير)
نلاحظ على القوافي [ قاف را ، باشه ، اسد ..الخ ] لا يوجد بها تكلف ولا يربط بينها اي رابط شكلي ، ولكن يظهر التكلف في جميع كلمات القصيدة التي اتت قبل القافية ، فتكرار كلمة بن صقر جعل للقوافي بل للقصيدة جرس موسيقي عجيب .
* خامساً : عندما يبدع الشاعر قصيدته ويقيّد القوافي وجميع كلمات المقطع التي تأتي قبل القافيه بالتشابه في الشكل واشتقاق الكلمات بعضها من بعض ، ومثال ذلك قول الشاعر الشاووش رحمه الله :
بالرضــا بالرضــا والصلح ما ياجي إلاّ بالرضـا
بالرضــا بالرضا والحق ما ياجي إلاّ بالرضاوي
بالرضا بالرضا نرضى مع اهل القلوب الراضيه
هذا المثال يشبه قول الزرقوي السابق ولكن الفرق ان الزرقوي التزم فقط بترديد كلمات المقطع دون القافيه ولكن الشاووش التزم بهما جميعاً .
* سادساً : عندما يبدع الشاعر قصيدته ويجعل جميع كلماتها وقوافيها تسيطر عليها الحروف المتشابهه ، وهذا الاسلوب هو اصعب انواع البناء الشكلي للقصيدة على الاطلاق ، ومثل هذا النوع من الشعر لا يستطيعه إلاّ المتمرسون من الشعراء بل ان بعضهم يخفق في ذلك ، لأن هذا النوع لا يمكن ان يكون فيه مستوى القصيدة وسطاً بل ان تأتي قويه جداً او ضعيفة جداً ، لأن الشاعر يهتم ويبذل قصاري جهده الذهني في اتقان الشكل فيضعف المعني ضعفاً ذريعاً ، فالمسأله تحتاج إلى ميزان دقيق لا يملكه إلاّ القلة من الشعراء ، وسأذكر مثالين لهذا النوع من الشعر لعجبي من هذا الشكل الفني البديع يقول الشاعر / جريبيع بن صالح الزهراني رحمه الله في سينيته المشهورة (وقيل انها لغيره) :
حي سيلٌ سال واسقى ساحلٌ واسقى السقا وساق
سارحــه ســرّى وســار وسر سرواناً ورى سمّاله
ونسب سيلــه سبــاه وطــار سبلــه من سبـايبـــه
وقعــور الســدر والسمــران سفّرهــا سفــر سنــه
ويقول الشاعر/ موسى الخثعمي رحمه الله في سينيته ايضاً : يا سلامــــي عـــــــداد النــو لا ســـال مــن جـــو السمـــا
سيله اسقى السويس وساق في القدس واسقى ديس بابا
والسنــابيــك فــوق البحــــــر تسبــــح وسفـــــرها سنــه
والسلـــم والسمــــر والســـاج والســـدر الى سمّـــك لهـا
لم يقف الشعراء كما قرأنا في الامثلة السابقة عند تزويق القافية فقط بل ضامنوا بين القافية وكلمات القصيدة وذلك لمحاولة استضافت الابداع بشتى الاساليب والطرق . اخواني الاعزاء اعذروني ان حصل قصور ، فما الهدف من كلامنا هذا إلاّ محاولة جادة للكشف عن بعض جماليات البناء الشكلي في القصيدة الجنوبية .
بقلم/ احمد بن عايض الحسيني وللجميع اطيب التحايا ؛؛؛